اكتشف العلماء نظامًا “مخفيًا” تحت الأرض يغذي جراند كانيون

في كل عام، يروي الملايين من سائحي المتنزهات الوطنية عطشهم في محطات المياه المحلية، دون أن يفكروا في أن جميع مياه الشرب للناس، وكذلك لبقاء النباتات والحيوانات المحلية، تأتي من مكان واحد – نبع طبيعي مختبئ في أعماق صخور رورنج سبرينجز في أريزونا. ومع تزايد حرارة وجفاف مناخ المنطقة، كان من المهم للعلماء أن يفهموا بالضبط كيف تخترق المياه الذائبة من السطح كيلومترات من الصخور وتغذي هذه الواحة الحيوية. ونشرت نتائج عملهم في مجلة التقارير العلمية. لمعرفة ذلك، انطلق فريق من جامعة شمال أريزونا (NAU)، بقيادة الأستاذ المشارك تيمولين سانكي وطالب الدكتوراه بليز لاسالا، في رحلة استكشافية خطيرة. لمدة 45 يومًا، شق العلماء والمتطوعون طريقهم عبر الكهوف البرية في الوادي، المغلقة أمام الجمهور. كانوا يحملون حقائب ظهر مزودة بمعدات عالية التقنية، وتسلقوا المنحدرات شديدة الانحدار، ونزلوا إلى الأسفل وطفووا حرفيًا عبر قاعات تحت الأرض غمرتها المياه. ونتيجة لذلك، تمكن الباحثون لأول مرة في التاريخ من بناء نماذج رقمية مفصلة ثلاثية الأبعاد لأكثر من 10 كيلومترات من الممرات تحت الأرض. للقيام بذلك، استخدموا الليدار (ماسحات ضوئية ليزر متنقلة). وكشفت الخرائط ثلاثية الأبعاد عالية الوضوح عن مواقع الشقوق والمفاصل والفراغات في طبقات الحجر الجيري، وكشفت عن الطرق الخفية التي تنتقل من خلالها المياه تحت الأرض. وكما تبين، فإن جراند كانيون يتغذى بما يسمى بنظام الكارست (نوع خاص من التضاريس حيث يقوم الماء بإذابة الصخور مع مرور الوقت، وتشكيل الفراغات فيها)، والذي يقارنه العلماء بـ “الجبن السويسري” بسبب كثرة الثقوب والقنوات والأخاديد في الصخور. تتسرب المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج على هضبة كايباب إلى فتحات على السطح وتتحرك عبر هذه المتاهات الموجودة تحت الأرض بسرعات مذهلة.
وقد ساعدت الاختبارات الهيدرولوجية الخاصة، التي شارك فيها البروفيسور آبي سبرينغر، في التحقق من هذه الفرضية. ولتتبع مسار المياه، صب الباحثون صبغة آمنة ومشرقة في المجاري السطحية على الهضبة. أظهرت التجربة سرعة مذهلة: تنتقل المياه ما يقرب من 20 كيلومترًا عبر متاهات معقدة تحت الأرض وتأتي إلى السطح في منبع رورنج سبرينغز في أسبوع واحد فقط. تشكل هذه السرعة العالية أيضًا خطرًا جسيمًا: مثل هذه القنوات الطبيعية لا تقوم عملياً بتصفية المياه. وهذا يعني أن أي ملوثات سطحية – سواء كانت السخام الناتج عن حرائق الغابات أو البكتيريا الخطرة – يمكن أن تجد طريقها على الفور إلى إمدادات مياه الشرب في جراند كانيون. والآن بعد أن فك العلماء رموز البنية تحت الأرض للوادي، ستتمكن إدارة المتنزه من تحديد مصادر التلوث بسرعة وحماية الواحة من التهديدات البيئية. من الجدير بالذكر أن هذا الاكتشاف له أهمية عالمية: اليوم، يعتمد أكثر من مليار شخص حول العالم بشكل مباشر على الينابيع الكارستية لإمداداتهم بالمياه.