أعاد علماء الأنثروبولوجيا النظر في أسباب تضخم الدماغ البشري

لفترة طويلة، اعتقد علماء الأنثروبولوجيا أن الزيادة في حجم الدماغ البشري – الحجم المطلق (بالسنتيمتر المكعب) والحجم النسبي مقارنة بالجسم – كان مدفوعًا في المقام الأول بالانتقاء الطبيعي الدارويني. ووفقا لهذه الفرضية، فإن تطور الدماغ يمكن أن يتأثر بالتغيرات البيئية، والعادات الغذائية، والقدرات المعرفية، وتعقيد الحياة الاجتماعية وتطور التكنولوجيا. كانت الأدمغة الكبيرة بمثابة استجابة تطورية للحاجة إلى البقاء في بيئة متغيرة، وتنسيق الأنشطة الجماعية، ونقل المعرفة. ويعتقد أن هذا العامل قد تطور خلال المليوني سنة الماضية تقريبًا. خلال هذا الوقت، زاد حجم جمجمة أسلافنا ثلاث إلى أربع مرات: من حوالي 400-500 سنتيمتر مكعب في الأسلاف المحتملين لجنس Homo – Australopithecus – إلى 1300-1500 سنتيمتر مكعب في الممثلين اللاحقين لـ Homo – Neanderthals وSapiens. في الوقت نفسه، تغير الوجه، وأصبح أقل ضخامة: أصبح الفكين والأسنان أصغر، بما في ذلك حواف الحاجب. بدت فرضية تضخم الدماغ وتغيرات الوجه تحت تأثير الانتقاء الدارويني منطقية وبديهية. لكن علماء الأنثروبولوجيا كاترينا هارفاتي من جامعة توبنغن في ألمانيا ومارك هوب من جامعة تينيسي في الولايات المتحدة شككوا في ذلك.
قام Harvati و Hubbe بتحليل 87 جمجمة لممثلي جنس Homo: 24 جمجمة تنتمي إلى العاقل، والباقي – Neanderthals، erectus (Homo erectus)، habilis (Homo habilis) وغيرها من الأشكال المبكرة. وباستخدام القياس الهندسي ثلاثي الأبعاد، قمنا بمقارنة شكل الجزء الوجهي من الجمجمة وجمجمة الدماغ، وقمنا أيضًا بتقدير حجم تجويف الدماغ في مختلف أنواع الهومو. لم يقتصر الباحثون على مجرد مقارنة أحجام الجماجم في فترات مختلفة من التطور، أي أنهم لم يكونوا مهتمين كثيرًا بالمؤشر النهائي بالسنتيمتر المكعب، ولكن بديناميكيات التغييرات: كيف تغير مظهر الأسلاف بالضبط بمرور الوقت. لذا حاول هارفاتي وهوبي الإجابة على السؤال: أي نموذج تطوري يصف بشكل أفضل الديناميكيات الملحوظة لـ “تحول” الجمجمة والوجه في الإنسان؟ لمعرفة ذلك، قام علماء الأنثروبولوجيا بمقارنة ستة نماذج رياضية للتطور. وصف أحدهم الانتقاء الطبيعي المستمر نحو أدمغة أكبر ووجوه أصغر – وهو السيناريو الكلاسيكي الذي يثبت فيه التطور تدريجيًا السمات التي تمنح ميزة. ويفترض الآخر تطورًا محايدًا، حيث لا يكون للتغيرات اتجاه محدد مسبقًا ويمكن أن تتراكم تحت تأثير العمليات التطورية العشوائية. وصفت النماذج المتبقية أشكالًا مختلفة من اختيار التثبيت والركود، أي الحفاظ على الطابع التشريحي على المدى الطويل في نطاق ضيق نسبيًا من القيم.
[shesht-info-block number=2]توصل مؤلفو العمل العلمي إلى استنتاج مفاده أن تضخم الجمجمة لدى ممثلي جنس هومو قد حدث بالفعل، لكن الاختيار الدارويني ربما لم يساهم في ذلك، أو ساعد، ولكن بشكل طفيف فقط. تتناسب التغييرات بشكل أفضل مع نموذج التطور المحايد. بمعنى آخر، وفقًا لعلماء الأنثروبولوجيا، فإن الأشكال والأحجام المكتسبة للدماغ هي نتيجة عمليات تطورية، وليست نتيجة لحركة ثابتة نحو هدف محدد. التطور المحايد لا يعني أن الدماغ الكبير لم يقدم مزايا. ويترتب على ذلك أن الزيادة في الحجم لم تكن بالضرورة نتيجة “السباق المستمر على القوى العظمى”، حيث كل زيادة في حجم الدماغ تزيد من فرص البقاء وبالتالي تم تثبيتها عن طريق الانتقاء الطبيعي. وتشير النتائج إلى أن العمليات العشوائية يمكن أن تلعب دورا هاما. علاوة على ذلك، تم العثور على آثار الركود في البيانات، حيث تظل السمات التشريحية حول نطاق معين من القيم لفترة طويلة. ببساطة، يمكن أن يظل حجم الجزء الدماغي من الجمجمة مستقرًا لفترة طويلة، ولم تحدث تغييرات ملحوظة إلا خلال الفترات التي تم فيها إضعاف القيود الحالية. ولا تزال العوامل التي جعلت من الممكن التغلب على هذه القيود غير معروفة. ولوحظت صورة مماثلة عند تحليل الجزء الوجهي من الجمجمة. لم يتغير وجه الإنسان لأن التطور “يحسنه” باستمرار للقيام بمهام جديدة. بل إنها حافظت على نفس “النمط” تقريبا على مدى أجيال عديدة، مع حدوث “التحولات” فقط عندما ظهرت ظروف جديدة. على سبيل المثال، يمكن أن تكون هذه العوامل هي الخصائص التنموية للكائن الحي.
[shesht-info-block number=3]على الرغم من النتائج المثيرة للاهتمام للعمل، يجب التعامل مع استنتاجات هارفاتي وهوبي بحذر. أحد التحديات الرئيسية للدراسة هو السجل الحفري نفسه. قام العلماء بتحليل 87 جمجمة فقط، وهذه عينة صغيرة. لقد اضطر علماء الأنثروبولوجيا إلى إعادة بناء مئات الآلاف من السنين من التطور باستخدام عدد محدود من البقايا الباقية، لذلك ربما تكون بعض التغيرات التطورية السريعة قد مرت دون أن يلاحظها أحد. توضيح آخر هو أنه إذا كان نموذج التطور المحايد يصف البيانات بشكل أفضل، فهذا لا يعني أن الانتقاء الطبيعي لم ينجح. لاحظ مؤلفو العمل العلمي أنهم لا يستطيعون استبعاد عمليات التكيف بشكل كامل، خاصة إذا تم الاختيار لفترات قصيرة أو تغير مع الظروف البيئية. على سبيل المثال، من الممكن حدوث مواقف حيث حدث اختيار قوي بعد تغيير سريع في البيئة، ثم أعقب ذلك فترة طويلة من الاستقرار. ونشرت الدراسة في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز.