صحة وجمال

ساعدت ترانيم الكنيسة على رؤية حدود دول العصور الوسطى


في أوائل العصور الوسطى، كان أساس عبادة الكنيسة الرومانية هو الهتافات الغريغورية – الهتافات التقليدية ذات الصوت الواحد، والتي تم إجراؤها بدون أدوات، عادة باللغة اللاتينية. اعتبر نص ولحن الكورال مقدسين وحاولوا عدم تغييره. في تقليد الكنيسة في العصور الوسطى، كان يُنظر إليها على أنها “كلمة الله” المنقولة عبر البابا. على الرغم من هذا الموقف الصارم تجاه الهتافات الغريغورية، سعى موسيقيو الكنيسة والدعاة إلى جعل الخدمة أكثر قابلية للفهم للقطيع. كان الحل الوسط هو ما يسمى بالاستعارات – الإدخالات التي “أحيت” الخدمة ولم تعتبر انتهاكًا مباشرًا لـ “الشريعة المقدسة”. الاستعارات عبارة عن نص أو لحن (أحيانًا كليهما) تتم إضافتها عادةً إلى بداية الكورال أو وسطها أو نهايتها. يمكن أن تكون المسارات بمثابة رواية مختصرة لقصة كتابية أو شرح أو زخرفة شعرية. في السابق، كان العلماء يعتقدون أنه لا توجد عوائق أمام انتشار الاستعارات. أي أنهم “تجولوا” بحرية في جميع أنحاء أوروبا من دير إلى دير مع الرهبان. لكن مؤلفي دراسة جديدة أثبتوا العكس: فالتبادل الثقافي في عالم المجازات كان محدودا إلى حد كبير بالحدود السياسية، وخاصة بعد تقسيم الإمبراطورية الكارولنجية بموجب معاهدة فردان في عام 843. وبعبارة أخرى، أثرت السياسات في ذلك الوقت بشكل مباشر على كيفية ومكان ظهور المجازات.

[shesht-info-block number=1]

حاول علماء الموسيقى تيم إيبرت وفابيان موس من جامعة فورتسبورغ في ألمانيا فهم العلاقة بين موسيقى العصور الوسطى وسياقها الثقافي. ببساطة، أراد الباحثون، من خلال تحليل المخطوطات الموسيقية الباقية، معرفة المزيد عن الحياة والتقاليد وتبادل الأفكار الثقافية. أي أن هدفهم لم يكن مجرد تصنيف الموسيقى، بل استخدام المخطوطات الموسيقية كمصدر للبيانات لفهم كيفية انتقال الثقافة عبر المكان والزمان وما هي العوامل – السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية – التي أثرت عليها. قام إيبرت وموس بتحليل أكثر من أربعة آلاف مجاز في 163 مخطوطة تم إنشاؤها بين القرنين التاسع والرابع عشر. غطت جغرافية المصادر أراضي فرنسا الحديثة وألمانيا وسويسرا والنمسا وإيطاليا وجنوب بريطانيا. لفهم مجموعة البيانات، استخدم الباحثون نموذجًا رياضيًا معقدًا يعمل مع ما يسمى بالرسوم البيانية الثنائية للمساعدة في العثور على المجموعات المخفية في الشبكات المعقدة. قام النموذج ببناء شبكة حيث تم ربط كل مسار بمخطوطة محددة. وفي الوقت نفسه، لم تكن الخوارزمية تعرف تاريخ إنشاء المخطوطات ولا المدينة التي نشأت منها. لقد كان يبحث ببساطة عن الأنماط – التي تتشابه المجازات الموجودة في المخطوطات مع بعضها البعض وغالبًا ما تظهر معًا. ونتيجة لذلك، قام البرنامج بتقسيم المجازات إلى عدة مستويات وحدد أربع مجموعات كبيرة من المخطوطات ذات المجازات المماثلة. ثم نظر العلماء إلى مصدر هذه المخطوطات، أي الأديرة أو المناطق.

[shesht-info-block number=2]

وقد رسم علماء الموسيقى هذه البيانات على خريطة أوروبا في العصور الوسطى، مع تحديد مواقع كل مخطوطة بالنقاط وتلوينها بألوان تتوافق مع مجموعة معينة. وظهر نمط واضح: المخطوطات التي تحمل مجازات مماثلة لم تعبر حدود الكيانات السياسية الجديدة التي ظهرت بعد معاهدة فردان عام 843. كانت الاتفاقية بمثابة انهيار الإمبراطورية الكارولنجية الفرنجية. قام أبناء الإمبراطور لويس الأول الورع الثلاثة – لوثير الأول وتشارلز الثاني الأصلع ولويس الثاني الألماني – بتقسيم المنطقة الشاسعة من بحر الشمال إلى روما. كانت هذه التشكيلات السياسية الجديدة، التي نشأت من طموحات وعداوة الإخوة، هي التي حددت تطور موسيقى الكنيسة لمئات السنين القادمة.

[shesht-info-block number=3]

في المملكة الغربية، التي كانت تقع عمليا على أراضي فرنسا الحديثة، في الشرق، على أراضي ألمانيا المستقبلية، وفي الوسط، والتي تضمنت وديان الراين والرون وجزء من إيطاليا، تم تشكيل تقاليدهم الخاصة بالممرات، والتي لم تختلط تقريبًا. ويخطط الباحثون لتحسين النموذج. ستأخذ الإصدارات المستقبلية من البرنامج في الاعتبار ليس فقط العمل مع العناصر النصية للمسارات، ولكن أيضًا ميزات الألحان. سيسمح لنا ذلك بفهم أكثر دقة لكيفية انتشار الثقافة الموسيقية على خريطة أوروبا في العصور الوسطى. تم نشر العمل العلمي في مجلة Transactions of the International Society for Music Information Retrieval.

فريق التحرير

يضم فريق التحرير نخبة من الصحفيين المحترفين بقيادة رئيس التحرير أحمد الكعبي، الذي يمتلك خبرة طويلة في مجال الصحافة والإعلام. حصل على تعليم جامعي عالٍ في تخصص الإعلام، وشارك في إدارة وتحرير العديد من المنصات الإخبارية، مع التركيز على المهنية والدقة في نقل الأخبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى