تكشف صور الأقمار الصناعية عن هيكل مخفي عمره 2600 عام في دلتا النيل

تقع بوتو، المعروفة اليوم بتل الفراعين، في الشمال الغربي من دلتا النيل. يُعتقد أن بوتو كانت مركزًا دينيًا مهمًا في مصر السفلى منذ فترة ما قبل الأسرات (حوالي 3800-3100 قبل الميلاد) طوال فترة حكم الفراعنة. وظلت المدينة موجودة حتى العصر الإسلامي المبكر (القرن السابع الميلادي). تعتبر آثار بوتو من أكثر المناظر الأثرية تعقيدًا في مصر. ويفسر ذلك حقيقة أنه على مدى آلاف السنين، أقيمت مباني جديدة في هذه المستوطنة فوق المباني القديمة. والنتيجة هي “كعكة الطبقات” حيث يتم دفن أقدم أجزاء المدينة تحت طبقات عديدة من الرواسب الثقافية الحديثة، وطبقات سميكة من الطمي والمياه الجوفية. تعد عمليات التنقيب التقليدية في مثل هذا الموقع الأثري معقدة وتستغرق وقتًا طويلاً ومكلفة، لذلك استخدم علماء الآثار المصريون، الذين نُشرت ورقتهم البحثية في مجلة Acta Geophysica، بدلاً من الحفر بشكل أعمى، نهجًا مشتركًا عالي التقنية باستخدام رادار القمر الصناعي Sentinel-1 (SAR) والتصوير المقطعي للمقاومة الكهربائية (ERT). نظام الرادار SAR قادر على اكتشاف الأجسام الكبيرة المخبأة تحت الغطاء النباتي وسطح التربة من الفضاء، في أي طقس وحتى في مثل هذه الظروف الصعبة مثل دلتا النيل. تعتمد التقنية الجيوفيزيائية لـ ERT على الفرق في المقاومة الكهربائية لمختلف المواد – الطين والرمل والهياكل المبنية من الطوب اللبن: حيث يتم تمرير تيار كهربائي بين سلسلة من الأقطاب الكهربائية الموضوعة في الأرض ويتم قياس فرق الجهد، مما يسمح للمرء بإعادة بناء نموذج ثلاثي الأبعاد للطبقة تحت الأرض. تُسمى هذه التقنية أحيانًا بالمسح المقطعي المحوسب تحت الأرض. وكجزء من اختبار النهج الجديد، قام الباحثون بمسح إحدى المساحات السطحية في منطقة بوتو، والتي لم يتم التنقيب فيها بعد. أظهر المسح أن الأمتار الثلاثة العليا مشغولة بطبقة من الفخار المكسور وحطام من أواخر العصر الروماني والبطلمي. لكن على عمق ثلاثة إلى ستة أمتار، ظهرت علامات على وجود هيكل معماري كبير تبلغ أبعاده حوالي 25 × 20 مترا، مبني على أساس معد صناعيا. وللتأكد من دقة بيانات القمر الصناعي والبيانات الجيوفيزيائية، أجرى الفريق حفريات مستهدفة في منطقة صغيرة مختارة بدقة تبلغ مساحتها 10 × 10 أمتار، واكتشف جدرانًا مصنوعة من الطوب اللبن. بناءً على القطع الأثرية التي تم العثور عليها أثناء عمليات التنقيب، تم تأريخ المبنى إلى ما يسمى بفترة سايس – عهد الأسرة السادسة والعشرين (حوالي 664-525 قبل الميلاد). ومن بين الاكتشافات التي توصل إليها علماء الآثار العديد من التمائم التي تصور الآلهة المصرية مثل إيزيس وحورس وتاورت وبس، بالإضافة إلى صور لوادجت، إلهة الكوبرا في مصر السفلى. بالإضافة إلى ذلك، عثر علماء الآثار على جعران يحمل اسم الفرعون تحتمس الثالث وتميمة تصور مخلوقًا يجمع بين سمات البابون والصقر والإله القزم. دفعت هذه الاكتشافات الطقسية العلماء إلى اقتراح أن الهيكل كان يخدم وظيفة دينية أو احتفالية – ربما كان معبدًا، أو مسكنًا لكاهن، أو مجمعًا جنائزيًا. وهكذا، بفضل النهج المشترك الجديد، يمكن لعلماء الآثار الآن رسم خريطة للطبقات الثقافية العميقة قبل بدء الحفريات، مما يجعلها أكثر استهدافًا، كما خلص الباحثون.