ارتبط صمت الكون بالموت المتكرر للحضارات

لقد ناقش العلماء منذ فترة طويلة طبيعة مفارقة فيرمي: إذا كانت الحياة الذكية موجودة، فلماذا لا نلاحظها؟ أحد الأسئلة الرئيسية هو إلى متى تظل الحضارات نشطة من الناحية التكنولوجية؟ وبما أن علماء الفلك عادة ما يبحثون عن البصمات التكنولوجية، فقد كان من المفترض أنه بعد وصول المجتمع إلى مستوى معين، إما أن يكون موجودا بشكل مستقر أو يختفي بسرعة. صحيح أن المعرفة المتراكمة بتاريخ الأرض والنماذج النظرية تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا. واستنادًا إلى إطار تم تطويره مسبقًا يتكون من عشرة سيناريوهات لتطوير حضارة تكنولوجية شبيهة بالأرض، والتي تتضمن أنواعًا مختلفة من الحوكمة والوصول إلى الموارد ودرجات الاستدامة، قام الباحثون ببناء نموذج عشوائي يصف ديناميكيات مثل هذه المجتمعات. وفيه، تتطور الحضارة بين الانهيارات، لكن المسار العام خطي ويتكون من مراحل متناوبة من النمو والأزمة والتعافي. كما يتم أخذ التطور التدريجي للتكنولوجيا والاستنفاد المتزامن للموارد في الاعتبار في النموذج. عندما تنفد الموارد أو تحدث كارثة، تتعرض الحضارة للانهيار، أي انخفاض حاد في مستوى التكنولوجيا وتوقف التنمية. وتتبع ذلك فترة من التعافي: حيث يتم الحفاظ على بعض المعرفة والبنية الأساسية، ويتم تجديد الموارد جزئياً، ويصبح المجتمع قادراً على الازدهار مرة أخرى.
ويتيح لنا هذا النهج تقديم سمة أكثر واقعية، ألا وهي وقت النشاط التكنولوجي. لقد اتضح أنه حتى الحضارات طويلة العمر يمكنها “التألق” مؤقتًا – فقط لجزء من وجودها. واعتماداً على السيناريو، تتباين نسبة الفترة النشطة: فبعض المجتمعات لا تعاني تقريباً من أي انقطاع في التنمية، في حين تقضي مجتمعات أخرى معظم التاريخ في الانحدار أو التعافي. وهذا العامل، وفقا للعلماء، يؤثر بشكل مباشر على إمكانية اكتشافهم. إذا لم تصدر الحضارة بصمات تقنية ملحوظة في معظم الأوقات، على سبيل المثال، بسبب الانهيار أو الركود، فإن احتمالية اكتشافها تنخفض بشكل حاد. ونتيجة لذلك، حتى المجرة المليئة بالحياة الذكية يمكن أن تبدو فارغة تقريبًا لمراقب خارجي. توصل مؤلفو الورقة العلمية المنشورة على خادم ما قبل الطباعة بجامعة كورنيل إلى استنتاج مثير للاهتمام حول مستقبل الأرض. إذا تم تحديد الحضارة من خلال عوامل يمكن السيطرة عليها – معدل استهلاك الموارد، والقدرة على التعافي ومستوى المخاطر الخارجية – فإن التغييرات البسيطة في هذه المعايير يمكن أن تنقل النظام من نظام مستقر إلى دورة من الأزمات المنتظمة، أو العكس، مما يضمن الاستقرار على المدى الطويل.
[shesht-info-block number=2]ولاحظ العلماء أن النموذج يغطي فترة زمنية قصيرة بالمعايير الكونية – ألف سنة فقط. علاوة على ذلك، فإن العمر المحتمل للحضارات المتقدمة قد يكون أكبر بكثير. وهذا يعني أن النتائج من المرجح أن تصف “الديناميكيات المحلية” للحضارات أكثر من وصف مصيرها على نطاق ملايين أو مليارات السنين. وبالتالي، فإن النموذج لا يثبت مفارقة فيرمي، لكنه يقدم أحد تفسيراتها المحتملة. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى تحول غريب في التفكير: ربما يكون المفتاح لفهم الكون ليس عدد الحضارات الموجودة، ولكن عدد مرات “تألقها”. وبهذا المعنى، تصبح مسألة مستقبل البشرية جزءًا من مهمة كونية أكبر بكثير.