الكلاب “شمت” الخوف البشري حتى قبل تدجينها

تعتبر الكلاب المنزلية من أفضل القضاة على المشاعر الإنسانية. أظهرت الدراسات أنهم قادرون على التمييز بين تعابير الوجه ونغمة الصوت واتجاه النظر والحالة العاطفية للمالك. وفي السنوات الأخيرة، ظهرت أدلة على أن الكلاب تتصرف بشكل مختلف عندما تشم رائحة عرق شخص ما في حالة خوف أو فرح. ومع ذلك، فقد ثبت أن تفسير أصل هذه القدرة أمر صعب. هناك نوعان من الفرضيات الرئيسية. الأول هو أن الحساسية للإشارات العاطفية البشرية تطورت من خلال عملية التدجين، عندما قام البشر، على مدى آلاف السنين، عن غير قصد باختيار الحيوانات التي تفهم سلوكهم بشكل أفضل. وتشير فرضية أخرى إلى وجود قدرة مماثلة لدى السلف المشترك للكلاب والذئاب الحديثة وتم الحفاظ عليها بعد انفصال السلالتين. لاختبار هذه الإصدارات، قرر علماء الأخلاق من جامعة الطب البيطري في فيينا (النمسا) مقارنة الكلاب الأليفة بالذئاب البرية، ولكن مع الذئاب التي نشأها الناس منذ سن مبكرة وكانوا على اتصال دائم بهم. جعل هذا النهج من الممكن استبعاد تأثير تجربة الحياة قدر الإمكان: إذا كانت الاختلافات بين الأنواع لا تزال تظهر، فيمكن تفسيرها بعواقب التدجين. إذا كان رد فعل الكلاب والذئاب بنفس الطريقة، فإن هذا من شأنه أن يجادل حول أصل أقدم لهذه القدرة. وشملت التجربة 24 كلبًا من سلالات مختلفة و11 ذئبًا رماديًا تم الاحتفاظ بها في مركز أبحاث في النمسا. قام البشر بتربية جميع الذئاب منذ ولادتهم تقريبًا، وتفاعلوا معهم بانتظام وخضعوا لتدريب مماثل مثل الكلاب. تم تجنيد 19 متطوعًا للحصول على عينات الرائحة. وقدم كل واحد منهم عينات العرق من الإبطين مرتين. في إحدى الحالات، كان المشاركون في حالة عاطفية محايدة، وفي الحالة الأخرى، شعروا بالخوف أثناء أداء مهمة مرهقة مرتبطة بالتحدث أمام الجمهور وحل المشكلات الحسابية تحت إشراف المجربين. وللتأكد من أن الإجراء كان مرهقًا حقًا، قام الباحثون بقياس مستويات القلق لدى المتطوعين ومراقبة المؤشرات الفسيولوجية. تم وضع العينات الناتجة في حاويات خاصة، وبعد ذلك طلب من الحيوانات اختيار واحدة منها. في الوقت نفسه، بجانب الكلب أو الذئب كان هناك مجرب مألوف للشخص، الذي لا يعرف مكان هذه الرائحة أو تلك.
سجل الباحثون العشرات من العوامل المتعلقة بسلوك الحيوانات: مقدار الوقت الذي أمضوه بالقرب من كل رائحة، ومدى سرعة اتخاذهم للاختيار، وعدد المرات التي حولوا فيها نظرهم إلى شخص ما، واستكشفوا الغرفة، أو رفضوا اتخاذ قرار. وأظهرت التجربة أن كلاً من الكلاب والذئاب غيرت سلوكها عند مواجهة رائحة الخوف. ومع ذلك، فإن رد الفعل لم يكن كما كان متوقعا. ولم تظهر الحيوانات أي تفضيل أو تجنب واضح لعينات العرق من الأشخاص الذين يشعرون بالخوف. وبدلا من ذلك، تغير سلوكهم العام. في ظل وجود رائحة الخوف، كانت الكلاب والذئاب تهتم في كثير من الأحيان بالشخص المرافق لها، وتتردد لفترة أطول قبل اتخاذ القرار، وفي كثير من الأحيان ترفض بشكل ملحوظ اتخاذ القرار على الإطلاق. لقد فسر علماء الأخلاق رد الفعل هذا على أنه رغبة متزايدة في الحصول على معلومات إضافية في موقف غير مؤكد أو قلق. إذا كانت رائحة شخص ما تشير إلى خطر محتمل، يبدو أن الحيوانات تبدأ في البحث عن دليل. تم العثور على اختلاف مهم واحد فقط بين النوعين. في كثير من الأحيان، أنهت الكلاب الاختبار قبل الأوان وغادرت منطقة التجربة، في حين لم يتم ملاحظة اتجاه مماثل في الذئاب الاجتماعية. اقترح الباحثون أن هذا يعكس الاختلافات في الاستراتيجيات السلوكية التي تم تطويرها بعد التدجين: قد تكون الكلاب أكثر عرضة لتجنب المواقف غير المؤكدة، بينما تستمر الذئاب في استكشاف بيئتها. الاستنتاج الرئيسي لمؤلفي المقال المنشور في مجلة Animal Cognition هو أن رد الفعل النوعي للكلاب والذئاب كان هو نفسه. وهذا يعني أن الحساسية لإشارات الرائحة المرتبطة بالحالة العاطفية للشخص من غير المرجح أن تنشأ فقط نتيجة للتدجين. ووفقا للباحثين، فإن التفسير الأكثر ترجيحا هو أن هذه القدرة كانت موجودة في السلف المشترك للكلاب والذئاب الحديثة، ثم بقيت في كلا النوعين.
[shesht-info-block number=2]الدراسة الجديدة لا تعني أن الحيوانات تفهم خوف الإنسان بنفس الطريقة التي نفهمها. لكنهم قادرون على إدراك الإشارات الكيميائية المصاحبة لهذه الحالة العاطفية وتغيير السلوك استجابة لها. بمعنى آخر، لا تتفاعل الكلاب والذئاب مع العاطفة نفسها، بل مع التغيرات في رائحة جسم الإنسان التي تحدث أثناء التوتر. كان للعمل العلمي عدد من القيود. ولم تشمل التجربة الذئاب البرية، بل تلك التي قام البشر بتربيتها منذ سن مبكرة واعتادوا على الاتصال الوثيق بالناس. ولذلك، لا يمكن تعميم النتائج تلقائيًا على مجموعات الذئاب البرية. بالإضافة إلى ذلك، لم تسمح لنا الدراسة بتحديد المواد الكيميائية الموجودة في العرق البشري بشكل نهائي والتي تعمل كإشارة للحيوانات ومدى عالمية هذا التفاعل. ومع ذلك، يعد هذا أحد أقوى الأدلة حتى الآن على أن قدرة الكلاب على الاستجابة لرائحة المشاعر الإنسانية قد يكون لها أصول أقدم بكثير مما كان يعتقد سابقًا. إذا تم تأكيد استنتاجات علماء الأخلاق، فهذا يعني أن المتطلبات التطورية لمثل هذا التفاعل الوثيق بين الإنسان والكلب نشأت قبل فترة طويلة من التدجين.