لقد تم تعليم الفئران “الحصول على قسط كاف من النوم” دون نوم

النوم ضروري ليس فقط للراحة، ولكن أيضًا لاستعادة وظائف المخ والذاكرة وإعادة هيكلة التشابك العصبي. أثناء النوم، لا “ينطفئ” الدماغ، بل ينتقل إلى وضع تشغيل خاص ونشط للغاية. ويستمر في العمل، وأداء المهام الحاسمة التي يصعب إنجازها أثناء الاستيقاظ. خلال النهار، يتم تشكيل نقاط الاشتباك العصبي الجديدة بنشاط في الدماغ – أماكن الاتصال بين الخلايا العصبية أو بين الخلية العصبية وخلية المستجيب التي تتلقى إشارة، مما يساعد على “الاحتفاظ” بالمعلومات الجديدة و”تعزيز” الخبرة المكتسبة خلال اليوم. عندما يتعلم شخص ما شيئًا جديدًا أو يحاول تذكر معلومات مهمة، فإن الدماغ لا يقوم ببساطة “بكتابة حقيقة” في خلية جاهزة، ولكنه يغير قوة وأحيانًا بنية المشابك العصبية بين الخلايا العصبية المشاركة في هذه المهام. ببساطة، من خلال التعلم، يمكن تقوية الروابط المفيدة بين الخلايا العصبية الصحيحة؛ إذا نادرا ما يتم استخدام الاتصال، فإنه يضعف. هذه هي الطريقة التي يسلط بها الدماغ الضوء على ما هو مهم، ويجعل السلاسل الضرورية أكثر “طلبًا” ويوفر الموارد. أثناء النوم، يقوم الدماغ بتنظيف الشبكة وإعادة تكوينها بحيث يتم الحفاظ على الاتصالات المهمة والعمل بكفاءة أكبر. تسمى العملية التي يساعد النوم من خلالها في الحفاظ على توازن القوة التشابكية ومنع “التشبع الزائد” للشبكة العصبية بفرضية التوازن التشابكي.
يعتقد العديد من الخبراء أن نوم الموجة البطيئة، أو نوم NREM، يلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن المتشابك. ويبدأ فورًا بعد النوم ويستحوذ على 75-80 بالمائة من إجمالي وقت الراحة أثناء الليل. خلال هذه المرحلة، ينخفض نشاط الدماغ ولا تتم ملاحظة حركات العين السريعة. خلال هذه الفترة، تُظهر القشرة الدماغية نشاطًا مميزًا: تتحول مجموعات كبيرة من الخلايا العصبية بشكل دوري من الحالة النشطة إلى حالة شبه صامتة وتعود، بمعنى آخر، “تعمل” و”تتوقف”. وتتكرر مثل هذه الدورات عدة مرات في الثانية الواحدة. يعتقد بعض الباحثين أن هذه التحولات المتزامنة تلعب دورًا مهمًا في تعافي الدماغ من اليقظة وتساعد في الحفاظ على الأداء الطبيعي للشبكات العصبية. هناك فرضية مفادها أن آليات مماثلة قد تحدث في بعض الحيوانات الأخرى. على سبيل المثال، في تلك المخلوقات التي تظهر عليها علامات النوم غير النصفي. في الدلافين والبط وفقمات الفراء، قد يكون أحد نصفي الدماغ في حالة نوم حركة العين غير السريعة، بينما يستمر النصف الآخر في مراقبة البيئة والاستجابة للخطر.
[shesht-info-block number=2]طرح فريق من علماء الأعصاب الأمريكيين بقيادة كيارا سيريلي من جامعة ويسكونسن في ماديسون السؤال التالي: هل من الممكن إعادة إنتاج بعض الوظائف الرئيسية للنوم على الأقل إذا حفزنا بشكل مصطنع في الدماغ المستيقظ نفس التحولات المتزامنة للنشاط العصبي والراحة المميزة لمرحلة حركة العين غير السريعة؟ أخذ سيريلي وزملاؤه فئرانًا معدلة وراثيًا وزرعوا مسبارًا سيليكونيًا خطيًا ثنائيًا في أحد نصفي الكرة المخية، مما سمح لهم بتسجيل نشاط الخلايا العصبية والتحكم فيه في الوقت نفسه باستخدام تحفيز الضوء البصري الوراثي. تم زرع مسبار في النصف الآخر من الكرة الأرضية، والذي احتفظ بتسجيل منتظم – سمح لنا بمراقبة عمل جزء من الدماغ كالمعتاد، بحيث كان هناك شيء يمكن مقارنته به. بعد ذلك، ظلت الفئران مستيقظة لمدة خمس ساعات: حيث تم إعطاؤها باستمرار أشياء جديدة لاستكشافها. ولإجبار منطقة صغيرة من القشرة الدماغية على العمل في “وضع يشبه النوم”، لجأ علماء الأعصاب إلى طريقتين مختلفتين. مخطط زرع المجسات في أدمغة الفئران / © Chiara Cirelli في الحالة الأولى، تم تنشيط الخلايا العصبية المثبطة – وهي الخلايا التي يبدو أنها “تهدئ” الخلايا العصبية المجاورة وتقلل من نشاطها. مع التحفيز الضوئي، حدثت تقلبات إيقاعية في نشاط الخلايا العصبية في هذا الجزء من الدماغ. كانت تشبه التذبذبات الكهربائية البطيئة لإيقاعات الدماغ (إيقاع دلتا بتردد تذبذب يتراوح بين 0.5 و4 هرتز)، وهي سمة من سمات مرحلة نوم الموجة البطيئة. وفي الحالة الثانية، تم تعديل الخلايا العصبية المثيرة بحيث يمكن “إيقافها” مؤقتًا بواسطة الضوء. وعندما تم تشغيل الضوء، توقفت هذه الخلايا العصبية عن العمل، ودخلت منطقة الدماغ مرة أخرى في حالة انخفاض حاد في النشاط. ثم سمح للحيوانات بالنوم. وأظهرت تسجيلات نشاط الدماغ أن المنطقة المحفزة من القشرة الدماغية أظهرت إشارة قليلة إلى الحاجة إلى النوم. انطلاقًا من البيانات التجريبية، تمكنت هذه المنطقة من تنفيذ بعض عمليات الاسترداد وهي لا تزال مستيقظة. ولاختبار ما إذا كان “التأثير الشبيه بالنوم” يؤثر على الذاكرة، أجرى فريق سيريلي تجربة ثانية. استخدم الباحثون اختبارًا جديدًا للتعرف على الملمس. تصميم التجربة الثانية / © Chiara Cirelli أولاً، تم وضع الفئران في حاويات تم فيها تغطية “الأرضية” بسجادة بنفس الملمس، وتم منحهم 15 دقيقة لاستكشاف المساحة الجديدة بحيث تتكون “الذاكرة”. بعد ذلك، تم تقسيم الحيوانات إلى ثلاث مجموعات: أعطيت إحداها الفرصة للنوم بشكل طبيعي، والثانية حرمت من النوم، وفي القشرة الدماغية للقوارض المستيقظة من المجموعة الثالثة، قام العلماء بتحفيز دورات “التشغيل والإيقاف” الشبيهة بالنوم من النشاط العصبي باستخدام التحفيز البصري الوراثي. في اليوم التالي، أعيدت الفئران إلى نفس الحاويات، ولكن الآن تم وضع حصيرة ذات نسيج جديد على نصف المساحة. عادة، تظهر هذه القوارض اهتمامًا متزايدًا بالأشياء الجديدة والبيئات غير المألوفة. لذلك قام علماء الأعصاب بتقييم ذاكرة الحيوانات من خلال مقدار الوقت الذي قضته على الجانب المغطاة بالطلاء الجديد. اتضح أن الحيوانات المحرومة من النوم كانت أسوأ في التعرف على التغييرات وأظهرت رد فعل أضعف تجاه الحداثة، في حين أظهرت القوارض التي نامت سلوكًا طبيعيًا. الفئران التي تم فيها إعادة إنتاج نشاط الدماغ الشبيه بالنوم بشكل مصطنع أثناء الاستيقاظ تصرفت بنفس الطريقة التي تصرفت بها الحيوانات في مجموعة النوم: لقد استكشفت المنطقة في كثير من الأحيان بالنسيج الجديد. يشير هذا السلوك إلى استعادة الذاكرة لدى الفئران المستيقظة والمحفزة صناعيًا. وكان مستوى هذا التعافي مشابهًا لمستوى الحيوانات التي حصلت على نوم كافٍ. تشير النتائج إلى أن النشاط الشبيه بالنوم أثناء اليقظة قد يكرر جزئيًا تأثيرات نوم الموجة البطيئة ويحسن الذاكرة.
[shesht-info-block number=3]وستكون الخطوة التالية هي اختبار التكنولوجيا على البشر. يخطط الباحثون لاستخدام التحفيز الكهربائي غير الجراحي عبر الجمجمة. هذه الطريقة لا تتطلب عملية جراحية وتسمح لك بالتأثير على الدماغ من خلال سطح الرأس. ومع ذلك، من السابق لأوانه الحديث عن الاستبدال الكامل للنوم. يقسم العلم الحديث وقت نوم الناس إلى مرحلتين رئيسيتين – نوم حركة العين غير السريعة ونوم حركة العين السريعة. وعلى عكس المرحلة الأولى، فإن الثانية تكون مصحوبة بحركات عين سريعة. لا يزال العلماء لا يفهمون تمامًا لماذا يضمن تناوب هذه الحالات الشفاء التام للجسم. أظهرت تجربة جديدة أن بعض التأثيرات المفيدة للنوم يمكن إعادة إنتاجها بشكل مصطنع، لكن من المرجح أن يظل النوم نفسه حاجة إنسانية لا غنى عنها لفترة طويلة. ونُشر العمل العلمي في مجلة Nature Neuroscience.