تشكلت الأرض دون استيراد المادة من أطراف النظام الشمسي

حتى الآن، كان يعتقد أن الأرض تشكلت نتيجة لخلط كوني معقد. وتنقسم النيازك التي تسقط على كوكبنا إلى مجموعتين كبيرتين: بعضها يتشكل بالقرب من الشمس، والبعض الآخر على مشارف النظام الشمسي. وبما أن التركيب الكيميائي للأرض يحتل موقعا وسطا بينهما، فقد اعتقد العلماء أنها تلقت خلال عملية التكوين نسبة ملحوظة من المواد من المناطق الخارجية، ربما إلى جانب الماء والعناصر المتطايرة. وفي بعض النماذج، وصلت هذه الحصة إلى عشرات بالمائة، مما يجعل تاريخ تكوين الأرض ككوكب أقرب إلى “الهجرة” والفوضوية. اقترح مؤلفو الدراسة الجديدة، بقيادة باولو أ. سوسي من ETH زيورخ، نهجا أكثر صرامة وشمولا. بدلا من تحليل واحد أو اثنين من مؤشرات النظائر، قارن العلماء 10 أنظمة نظائرية مختلفة في وقت واحد – “بصمات الأصابع” الفريدة للمادة التي تشكلت قبل ظهور الكواكب. والحقيقة هي أن الشذوذات النظائرية تجعل من الممكن تتبع الخزانات المحددة لقرص الكواكب الأولية التي نشأت منها المادة. وللقيام بذلك، قام الباحثون أولاً بتقليل أبعاد البيانات باستخدام تحليل المكون الرئيسي، ثم قاموا بتنقيح النتائج باستخدام طريقة بايز (منهج إحصائي يسمح لنا بتوضيح احتمالية وقوع حدث ما، في ضوء المعلومات المعروفة عنه مسبقًا). وقد أتاح هذا النهج مراعاة أخطاء التغييرات ورؤية الصورة الشاملة لتوزيع المادة في النظام الشمسي المبكر. وتبين أن الأرض تتناسب تمامًا مع الاتجاه الخطي المميز للأجسام المتكونة في المنطقة الداخلية للنظام، مثل المريخ وبعض أنواع النيازك. وفي هذه الحالة لا يتقاطع الاتجاه مع المواد الواردة من المناطق الخارجية. بمعنى آخر، يمكن تفسير الصورة الكيميائية لكوكبنا دون إشراك مادة من أطراف النظام الشمسي. وأظهرت الحسابات أيضًا أن النسبة المحتملة للمواد الخارجية صغيرة جدًا وتبلغ أقل من بضعة بالمائة، وفي بعض الحالات أقل من عُشر بالمائة. وهذا أقل بكثير من التقديرات السابقة.
كما أشارت نتائج الدراسة، التي عرضت في مجلة Nature Astronomy، إلى تجانس المادة التي تشكلت منها الأرض. وهذا يعني أن الكوكب إما تراكمت عليه مواد ذات تركيبة غير متغيرة تقريبًا على مدى ملايين السنين، أو تم “تنعيم” جميع الاختلافات في المكونات الأصلية لاحقًا أثناء تكوين اللب والوشاح. في كلتا الحالتين، اتضح أن عملية تشكيل عالمنا كانت أكثر تنظيما مما كان يعتقد. لقد حاول العلماء أيضًا النظر إلى ما هو أبعد من ذلك والتنبؤ بتكوين الكواكب الأخرى. أظهر نموذجهم أن كوكبي الزهرة وعطارد يجب أن يكون لهما توقيعات نظائرية أكثر تطرفًا، مما يعكس توزيع المادة في القرص الكوكبي الأولي. البعثات المستقبلية التي ستعيد عينات من هذه العوالم ستختبر هذه النتائج. وبالتالي، فإن الدراسة الجديدة تغير منطق تكوين الكوكب: فبدلاً من الخلط الفوضوي للمادة في جميع أنحاء النظام الشمسي، كان من الممكن أن تكون الأرض قد تشكلت محليًا – من مادة كانت قريبة من مدارها منذ البداية. ويبسط هذا الاكتشاف نماذج ولادة الكواكب، ويثير أيضًا أسئلة جديدة حول أصل الماء والظروف التي جعلت عالمنا مناسبًا للحياة.