قام علماء روس بتدريب الذكاء الاصطناعي على التمييز بين الطفرات الخطيرة وغير الضارة في الجينات المرتبطة بأمراض القلب

يمكن مقارنة الجينوم البشري بمكتبة ضخمة. في السابق، كان العلماء قادرين على قراءة جزء صغير فقط من الكتب – تلك التي تحتوي على تعليمات لإنشاء البروتينات (وهذا حوالي 2٪ من إجمالي الحمض النووي). كان هناك يبحثون عادة عن الطفرات المسؤولة عن أمراض القلب الوراثية. بالنسبة لمثل هذه المتغيرات، هناك معايير دولية راسخة تجعل من الممكن تقييم خطرها وتحديد الطفرات التي تؤدي إلى تطور الأمراض. ولكن ماذا تفعل مع الـ 98٪ الأخرى؟ لفترة طويلة كان يُعتقد أنها مجرد “صفحات فارغة” أو “خردة وراثية”. ومع ذلك، فقد تبين أن هذه المناطق ليست عديمة الفائدة على الإطلاق: فهي تعمل كمفاتيح وعناصر تحكم في مستوى الصوت، وتتحكم في مدى فعالية عمل الجينات. إذا حدث انهيار في مثل هذه المناطق، فإنه يمكن أن يؤثر بشكل خطير على عمل القلب والأوعية الدموية والدم. وكانت المشكلة هي أن العلماء في السابق لم يتمكنوا من التحديد الدقيق لأي من هذه الطفرات “غير المرئية” كانت خطيرة حقًا وأيها غير ضارة. ولذلك، ظلت العديد من حالات أمراض القلب غير مفسرة على وجه التحديد بسبب عدم القدرة على تحليل المتغيرات غير المشفرة (أي تلك التي لا تحمل تعليمات مباشرة لتجميع البروتين). قدم علماء من معهد IIiCN، كلية علوم الكمبيوتر، المدرسة العليا للاقتصاد بجامعة الأبحاث الوطنية، حلاً برمجيًا يتيح لأول مرة تحليل هذه المناطق “الصامتة” على نطاق واسع ودقيق فيما يتعلق بصحة القلب. يستخدم البرنامج أحدث التقنيات – النماذج التوليدية (نفس النماذج التي تشكل أساس الشبكات العصبية الشائعة) للتنبؤ بعواقب الطفرات في المناطق التنظيمية للحمض النووي وتقييم تأثيرها على صحة القلب. وقالت ماريا بوبتسوفا، مديرة المركز: “يعتمد البرنامج على نموذجين قويين للذكاء الاصطناعي يمكن مقارنتهما بالخبراء الذين قرأوا ملايين التعليمات الجينية. إنهم قادرون على مقارنة متغيرين من الحمض النووي: سليم (مرجعي) والآخر الذي حدثت فيه الطفرة. ثم يقوم البرنامج بتقييم ما إذا كانت “جهارة” الجينات قد تغيرت بعد هذه الطفرة، أي أنها أصبحت أكثر نشاطا أو، على العكس، أصبحت أكثر هدوءا. ركزنا على تحليل أنسجة القلب والأوعية الدموية، ولكن يمكن تحليل أي نسيج”. لأبحاث وتكنولوجيا الطب الحيوي في معهد علوم وعلوم الكمبيوتر بالمدرسة العليا للاقتصاد. ولتحسين الدقة، يستخدم البرنامج الذكاء الجماعي: حيث تدرس عدة نماذج الطفرة من زوايا مختلفة، ثم تجمع نتائجها باستخدام أساليب الذكاء الاصطناعي. ونتيجة لذلك، ينتج البرنامج درجة بسيطة ومفهومة – رقم من 0 إلى 1. وكلما اقترب الرقم من الواحد، زاد احتمال أن تكون الطفرة المكتشفة خطيرة ويمكن أن تؤثر على تطور أمراض القلب. ولضمان موثوقية البرنامج، أجرى العلماء اختبارات صارمة. ولهذا الغرض، تم استخدام بيانات المشروع البريطاني UK Biobank، وهو عبارة عن قاعدة بيانات ضخمة للمعلومات الجينية. وتم اختيار أكثر من 11 ألف طفرة للاختبار من نفس مناطق الحمض النووي “التنظيمية” التي كان من الصعب تحليلها في السابق. وكان من بينها كلا النوعين اللذين كانا مرتبطين بالتأكيد بالأمراض، وتلك التي من الواضح أنها غير ضارة. ولجعل التجربة عادلة، تمت مقارنة كل طفرة مشبوهة بتسعة طفرة آمنة، تم اختيارها وفقًا لأقصى عدد من التطابقات: الموقع في الجينوم، ونوع المنطقة، والقرب من الجينات وغيرها من المعالم. أكمل البرنامج المهمة بنجاح: فقد ميز بدقة الطفرات الخطيرة عن الطفرات غير الضارة، مما أثبت موثوقيته واستعداده للاستخدام العملي. تم إنشاء البرنامج للاستخدام العملي من قبل العديد من المتخصصين وموظفي المختبرات الطبية ومراكز أمراض القلب، الذين سيكونون قادرين على تفسير نتائج تسلسل الجينوم الكامل بشكل أكثر دقة والبحث عن الأسباب الوراثية للأمراض لدى المرضى (يتم تنفيذه بالفعل في عمل المختبرات الوراثية). كما لاحظ المطورون، ليس من الضروري أن تكون مبرمجًا للعمل مع البرنامج: فقد تم إنشاؤه بحيث يتمكن علماء الوراثة وأخصائيو المعلومات الحيوية والباحثون الطبيون من استخدامه في ممارساتهم اليومية. في الأبحاث الأساسية، يمكن للبرنامج المساعدة في فهم الآليات الجزيئية لأمراض القلب ودراسة كيفية تأثير المناطق التنظيمية للحمض النووي على الأمراض. بفضل البرنامج، توصل العلماء في مركز أبحاث وتكنولوجيا الطب الحيوي في المدرسة العليا للاقتصاد بجامعة الأبحاث الوطنية إلى اكتشاف مهم: فقد تبين أن بعض المتغيرات في جين BMPR2 التي تؤثر على نشاطه تحدد كيفية استجابة المريض للعلاج. والآن يواصل الباحثون عملهم: فهم يبحثون عن أجزاء غير مشفرة من الحمض النووي تؤثر على عمل الجينات المرتبطة بخطر الموت القلبي المفاجئ.